الشيخ محمد علي الأنصاري
593
الموسوعة الفقهية الميسرة
3 - إنّما يحصل الانبعاث من البعث الواصل : لا شكّ أنّ البعث إنّما يكون محرّكا للعبد إذا وصل إليه ، وإلّا لم يكن محرّكا وإن كان صادرا من المولى ، ف « حكم العقل بوجوب الطاعة وحرمة المعصية إنّما هو بملاك العبوديّة والمولويّة وإنّ العبد لا بدّ وأن ينبعث عن البعث الواصل من المولى وينزجر عن زجره الواصل » « 1 » . « والحاصل : أنّ العقل يستقلّ بلزوم انبعاث العبد عن بعث المولى ، وأنّ وظيفة العبد ذلك ، والانبعاث عن البعث يتوقّف على وصول البعث وإحرازه ؛ إذ لا أثر للبعث الواقعي ولا يمكن الانبعاث عنه ما لم يكن له وجود علمي » « 2 » . وهذا المقدار ممّا لا إشكال فيه بين الأصوليّين على الظاهر ، وإنّما الإشكال في أنّ الانبعاث يتوقّف على مطابقة العلم بالبعث للواقع أم لا ؟ فالذي يراه النائيني هو التوقّف ؛ لأنّ غير المصادف ليس علما ، بل هو جهل « 3 » . ووافقه تلميذه السيّد الخوئي « 4 » . ولكن الذي يراه العراقي هو الأعمّ ، فالذي يقطع بوجود البعث ينبعث - إذا كان في مقام الإطاعة - وإن كان غافلا عن مخالفة قطعه للواقع « 5 » . وسوف يأتي الكلام عن ذلك في عنوان « تجرّي » . 4 - يعتبر في صحّة البعث أن يكون المكلّف قابلا للانبعاث : إنّ الغرض من البعث - كما هو واضح - انبعاث المكلّف وتحرّكه نحو الفعل المطلوب - أي المكلّف به - فإذا كان المكلّف غير قابل للانبعاث ، لعلّة ما ، فما فائدة البعث إذن ؟ ! وبناء على ذلك ، لا يصحّ بعث النائم ، والمغمى عليه ، والناسي ، ونحوهم ممّن لا يؤثّر فيهم البعث ، لعدم إمكان انبعاثهم « 1 » . 5 - تقدّم البعث على الانبعاث : لا إشكال في تقدّم البعث على الانبعاث ، وإنّما الإشكال في أنّ هذا التقدّم رتبيّ أم زماني ؟ فالذي يراه صاحب الكفاية هو : أنّه زماني ، قال : « لا يكاد يتعلّق البعث إلّا بأمر متأخّر عن زمان البعث ؛ ضرورة أنّ البعث إنّما يكون لإحداث الداعي للمكلّف إلى المكلّف به ، بأن يتصوّره بما يترتّب عليه من المثوبة ، وعلى تركه من العقوبة ، ولا يكاد يكون هذا إلّا بعد البعث بزمان . . . ولا يتفاوت طوله وقصره . . . » « 2 » .
--> ( 1 ) أجود التقريرات 2 : 30 . ( 2 ) فوائد الأصول 3 : 48 . ( 3 ) انظر : أجود التقريرات 2 : 30 ، وفوائد الأصول 3 : 48 . ( 4 ) انظر مصباح الأصول 2 : 21 . ( 5 ) انظر فوائد الأصول 3 : 48 ، الهامش رقم 1 . 1 انظر : فوائد الأصول 4 : 212 ، ومحاضرات في أصول الفقه 3 : 55 ، وأصول الفقه 1 : 254 . 2 كفاية الأصول : 103 .